مقالات وأراء

(شرمولا )

بقلم/ عبير عبدالرحمن دريعي
الشاهد الصامت
هى ذلك الشاهد الصامت على وقائع المدينة …
إنها ( شرمولا ) ..
تلك الذاكرة التى لا تشيخ، والحقل من الفراشات، وسر الناي الذى باح بالعشق ذات نوروز .
فتشتعل قمة شرمولا ليلة الحادي والعشرين من كل آذار بنيران عالية اللهب تُعلن عاماً جديداً
وتعلن عودة الحياة والنسغ للشجر والعشب والضرع والبشر ، تلون من جديد نهارات عامودا،
وتشعل لهيب نار العشق في حجراتها ومعتكفات شعراءها وحكماءها ومجانينها أيضاً .
(شرمولا)
إنها (شرمولا) ..
ذلك التل الأشهر بين تلال عامودا الأثرية في المنطقة، مثل تل (موزان) و تل (شاغر بازار)
هذه التلال التي زارتها أكثر من بعثة أثرية خلال المائة عام المنصرمة .
وقد وثقت الكاتبة الروائية الشهيرة آجاثا كريستي الكثير من يومياتها في المنطقة أثناء
زيارتها لعامودا، وريفها برفقة زوجها العالم الأثري ماكس مالوان، الذي قام بإجراء تنقيبات
عن الآثار في عدة تلال ومواقع هامة بين عامي 1934_1935 في فترة الإنتداب الفرنسي .
“شاغر بازار”
وأهم تلك المواقع كان “شاغر بازار” الذي يقع جنوب مدينة قامشلو وشمال مدينة الحسكة
القريبة لمدينة عامودا وكذلك عمل في ” تل براك ” الواقع شمال شرق مدينة الحسكة
عندما كان ماكس مالوان منشغلاً بالتنقيب كانت زوجته أجاثا كريستي تدون تفاصيل
يومياتها ولقاءاتها بالنساء الكورديات ومحاولتها تعلم اللغة الكوردية، وقد عنونت يومياتها
بـ”هكذا عشت” وترجمها الشيخ توفيق الحسيني أبن أبرز عائلات عامودا الى اللغة العربية تحت أسم” هكذا أحيا ” .
وأعتقد أن نشر إقتباسات من الرواية ستكون لها القيمة الكبيرة في توضيح معالم
الريف الكوردي في تلك الفترة :
(أتجول بعيداً عن أماكن العمل، أتجول في الأماكن البعيدة المحيطة بالتل.. أجلس
بين الأزهار، أتطلع في إتجاه الشمال إلى الروابي والهضاب .
ثم أغفو وأستسلم لسبات عذب، مجموعة من النسوة آتية من بعيد باتجاهي، إنهن نُسوة
كورديات وهذه الألوان المبهرجة تدل عليهن, إنهن ينهمكن بين الحين والآخر في الحفر
يجمعن جذور بعض النباتات والبقول ويقطفن أوراق من الأعشاب ، إنهن يأتين إلي من
أقرب المسالك, وها هن الآن جالسات حولي على شكل دائرة) .
( شرمولا ) تقع في جنوب مدينة عامودا حيث توسعت المدينة لتشمل أطراف التل
شمالاً و شرقاً و غرباً ، على إرتفاع بحدود ٢٠ متراً و مساحة تصل الى ١٢ هكتار
تقع على مَقربة قُرى كثيرة وتلال أثرية سبق أن تم مسحها أثرياً تتبعها حوالي 150 قرية
 وينتشر فيها نحو 80 موقعاً أثريّاً يعود تاريخ أقدمها إلى الألف السابع قبل
الميلاد (تل شاغر بازار) إلى جانب مواقع ازدهرت خلال الألف الثّالث قبل الميلاد
(تل موزان) وأخرى خلال الألف الثّاني (تل حمدون).
كتاب محمد الآلوسي
في كتاب محمد الآلوسي ” نشوة المدام في العودة إلى دار الإسلام” يذكر
أن الموقع كان مأهولاً خِلال القرن الثّالث عشر ميلادي.
المعلومات المؤكدة ترشح تاريخها الحديث إلى منتصف القرن الثّامن عشر الميلادي
لذلك يقال إنها من أقدم قرى ونواحي الجزيرة.
إتفاقية سايكس بيكو
بعد إتفاقية سايكس بيكو١٩١٦ وترسيم الحدود بين الدول ضمت عامودا مع تلالها
إلى الخريطة السورية وتم استكمال ذلك خلال اتفاقية لوزان عام ١٩٢٣ .
وفرنسا جعلت من عامودا مركزا ادارياً ولحكاية شعب عامودا ضد حكومة فرنسا الأستعمارية
سطور وصفحات من المقاومة البطولية.
شرمولا
أما شرمولا وهي التسمية المتعارف عليها فأنها مؤلفة من كلمتين :شر و مال
اي بيت الشر او دار الشر كلمة mal تعني بالكوردية البيت أو الدار، وشر كلمة عربية
ويستخدمها السريان أيضاً في ذات المعنى .
شرمولا
ولتل شرمولا تسميات أخرى كتل العامود مثلاً التي يعتقد أن عامودا أخذت تسميتها
منها، والجذر اللغوي المستخدم يمكننا العثور عليه في أكثر من مكان ومدينة مثل :
آمودا ، آمد ، عمادية ،
حيث كانت تلة (شرمولا) مدفناً و لاحقاً مقبرة مسيحية، وتحولت فيما بعد إلى مقبرة
إسلامية حيث تم دفن أحد شيوخ بيت عبيد سيدا عام ١٩٢٨ كأول حالة دفن إسلامية.
على سفوح تلك التلة رقدت أجساد من مكونات مختلفة كرداً وعرباً وسريان وأرمن .
فالمقبرة بيت للألم، للوجع، للحزن وبيت احتضن أبناء عامودا، رجالاتها، مشايخها، أطفالها
نساءها، شهدائها وحوادث تاريخية شهدها التل ولعل أكثرها حزناً حينما ضم التل أكثر
من ٣٠٠ جثة محترقة ضحايا حريق سينما عامودا المؤلم.
عائلات سريانية
كانت تقطنه عائلات سريانية اتخذته مكاناً لها بعد هجرتهم القسرية من تركيا خلال
مجازر الأرمن التي بدأت في آتون الحرب العالمية الأولى وأشتدت وتيرة المجازر في
عام ١٩١٥ والذين هاجروا لاحقا إلى مدن الساحل و حلب و دمشق وأوربا و اميركا.
تراب التل
معظم أهالي عامودا كانوا يستخدمون تراب التل من أجل بناء بيوتهم الطينية مما أدى
إلى انجراف الكثير من التل وضياع الكثير من سوياته وهيئته، نتيجة عمليات ترحيل
الأتربة إلى مناطق أخرى وهذا ما تم رصده من شهود عيان من المعمرين وتحليل
بنية التراب المستخدم في بيوت عامودا يثبت أنه ذات التراب المتواجد في التل وأيضا لعبت عوامل .
شرمولا
و الأمطار من تقليل إرتفاعه بالنّسبة لعامودا أو تل شرمولا يعتقد الباحثين أنّ تاريخ الإستيطان
فيها يعود إلى مُنتصف الألف الثَّاني ق.م, وكانت مزدهرة خلال فترة أواخر عصر البرونز الحديث
وبدايات عصر الحديد, تحديداً في عام 1250 ق.م عندما أصبحت تابعة للدّولة الآشورية في
عهد ملكها شلمنصر الأول وذلك بعد سقوط الدّولة الحوريّة- الميتانية, وكانت المدينة تُعرف آنذاك باسم كلشيناز .
كما تقول إليزابيث وأكنر ، وجين ماري إينارد ، الموقع لم ينقب فيها بعد بالشكل المطلوب .
لا نملك معلومات دقيقة لكن الاستيطان بقي مستمرا إلا خلال إنقطاعات قصيرة
بسبب ظروف الحرب و القحط
كان يمر بالقرب من التل نهر يدعى نهر عامودا يفيض شتاءً وربيعاً ويستمر بالجريان فترات
من الصيف، لكن لم يتبقى من النهر سوى مجراه وبعض ذكريات أجيال من أهالي عامودا
وقاطني ( تل شرمولا ) قبل أن يتحول التل إلى مرقد للموتى، مما أضاف اليه هيبة ووقاراً.
فالموتى والقبور لها حرمتها و إحترامها، لهذا يبقى التل مرتبطا إلى وجدان أهالي عامودا،
فالدروب تصله وهناك في أمسيات الخميس موعد مع الموتى الراحلين في الأزلية، فزيارة
القبور طقس متعارف عليه، وهذا يتجلى في صباحات اليوم الأول للأعياد..وفي الربيع
يتحول التل الى حقل نضر مبهج مزركش الألوان مكاناً للتنفس والحصول على الراحة
والدخول في حضرة نقاء وشفافية تعيد للنفس الدفء والإحساس بالحياة.
الكتابات المسمارية
تم إكتشاف بعض الكتابات المسمارية والألواح الطينية في تل شرمولا وردت فيها أسماء
حورية وأكادية و حثية وهم أسلاف الكُرد حسب المورخ محمد أمين زكي و المستشرق الروسي بانكتين
كانت حضارة شرمولا أو التي ورد إسمها في الرقم الطينية كلشياز التي كانت
إحدى المقاطعات الهامة التابعة للدولة الآشورية وذلك في أعالي الخابور وهو
ما تذكره إحدى النصوص المكتشفة وضمن الأرشيف الآشوري الذي عثر عليها
في أحد المعابد في (الموصل), ولعبت حينها دوراً هاماً في كشف تاريخ المنطق
والصراع بين الدولة الآشورية والنفود الحثي والحوري لاحقاً في الألف الثانية قبل الميلاد .
وما الأسود العملاقة المنحوتة من الحجر الكلسي والمعروضة في متحف اللوفر
وسابقا في متحف برلين الا مقتنيات مكتشفة في تلي شاغر بازار وتل حلف
بالقرب من واشوكاني (سري كاني /رأس العين الحالية).
وأقدم نوتة موسيقية تم اكتشافها في قصر أوغاريتي مكتوبة باللغة الكردية القديمة(الحورية)
لهذا فان الحجر الذي يحمل النوتة معروف بأسم h6 ،في متحف دمشق وتعني حوري ٦.
واستطاع فريق من الباحثين والآثاريين واللغويين فك شيفرة الحجر، ولتكون أقدم نوتة
لأقدم نشيد وصلنا ملحناً، وهو مايعرف بموسيقا أو ترنيمة أوغاريت نسبة للمكان الذي
تم إكتشافه به في الساحل السوري خلال تنقيبات عام ١٩٥٤……

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
مرحباً بكم في الإخبارية العربية هل ترغب في تلقي إشعارات بآخر الأخبار؟ لا نعم